محمد بن علي الشوكاني

5768

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

من الله - سبحانه - شيء ؛ فإن من أحبة الله فقد سعد سعدا لا يماثله سعد ، وشرف شرفا لا يقاربه شرف ، وفاز فوزا لا يعادله فوز ، وأكرم كرامة لا تساويها كرامة ، فإن أعظم ما يطلبه عباد الله المغفرة للذنوب ، والخاصة منهم يطلبون الرضا عليهم منه . وحاصل الرضا هو التغاضي عن المؤاخذة ، والتجاوز عن التفريط ، ولا يستلزم المحبة ؛ فإنها أمر وراء ذلك . ومن حصلت له فقد حصلت المغفرة والرضا مع مزيد خصوصية ، وهي المحبة ، فإنه ينشأ عنها الإكرام بكل ما يهواه المحبوب ، وحصول ما يريده ويطلبه ، وهذا والله المثل الأعلى كما هو معلوم بالوجدان أن المحب يتقرب إلى محبوبه بكل ما يعلم أن له فيه رغبة كائنا ما كان ، وهذه رتبة تستلزم عدم المؤاخذة ، ودخول الجنة ، كما قال الله - عز وجل - رادا على اليهود - حيث قال : { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } فأفادت هذه الآية أن من يحبه الله لا يعذبه بل يحبوه بأنواع الكرامات ، ونفائس التفضلات ، وأحاسن العطيات كما يستفاد من معنى المحبة والحب والحبيب والمحبوب . المنقبة الثانية : قوله : { وَيُحِبُّونَهُ } وهذه كرامة جليلة ، ومنقبة جميلة ، فإن كون العبد الحقير محبا لربه - عز وجل - هي الغاية القصوى في الإيمان الذي هو سبب الفوز بالنعيم الدائم ، وسبب النجاة من العذاب الأليم ، ومن أعظم محبة الله - عز وجل - ودلائل صحتها اتباع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في أقواله وأفعاله ، والاقتداء به ، والاهتداء بهدية الشريف ، [ 2 أ ] قال الله - عز وجل - : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } الآية ( 1 ) فمن أحب الله ، وتتبع رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فاز بحب الله - عز وجل - له ، وبمحو ذنوبه ، وارتفاع درجته

--> ( 1 ) [ آل عمران : 31 ]